اتزروالت
09-06-18, 08:37 PM
عمل المرأة..
الحقيقة أن هذه النقطة غاية في الحساسية ، وتريد من يقف أمامها بتجّرد؛فيعرف أبعاد هذه القضية، والتي كثير من النساء في غفلة عن آثارها السلبية، ولا يصحين من هذه الغفلة إلا على الصدمة المفزعة، وتشتت الأحلام.
وحتى لا يحمل الكلام على غير معناه، ويفهم منه ما لا يراد؛من الواجب أن ننبِّه على أننا نتكلم عن وظيفة المرأة من جانب تأثيرها السلبي في تأخير الزواج فقط، وبيان بعض الأسباب المتعلقة بهذه القضية، والتي تؤدي إلى جلوسها إلى سن متأخرة في أغلب الأحيان.
ألا وإن الناظر في أحوال النساء العاملات بتمعّن ليرى العجب العجاب، ولغلبت عليه الهموم والأحزان لما يرى من المآسي المذهلة التي تحرق قلب كل غيور، وتثقله بالهموم.
وإن من أعظم المآسي أن تجد امرأة بدأ يتقدم بها العمر، ودخلت في السن الحرجة ولم تزل غير متزوجة؛وقد استولى عليها الخوف والقلق من أن يعبر قطار الزواج من حيلتها دون توقف ودون رجعة.. وهنا ستنظر إلى من حولها من النساء.. فتجد أن فلانة خُطبت.. وفلانة قد تزوجت.. وفلانة قد أنجبت.. وهي لم تزل على حالها، تصارع الهموم التي تثقل كاهلها، وتحطم قلبها المثخن بالجراح، وصدرها المليء بالأحزان، وكأن لسان حالها يقول:
رب يوم بكيت فيه فلمـا
صرت في غيره بكيت عليه
وحتى نعرف مدى تأثير العمل على المرأة، كان من الأهمية بمكان أن ننظر للمراحل التي تمرّ بها المرأة ، والتي تتسبب في جلوسها إلى سن متأخرة بغير زواج..
فأحياناً يكون المؤثّر الفعلي لجلوسها:
المرحلة التي تسبق العمل وهي الدراسة؛ وأحياناً يكون المؤثر هو نوع المجال الذي تعمل به؛وأحياناً يكون المؤثر الفعلي هو اهتمامها بالجانب العملي دون النظر إلى الجانب الاجتماعي الذي تعيش فيه.
وحتى يكون الموضوع أكثر تفصيلاً وتوضيحاً سنأخذ كل نقطة من هذه النقاط على حِدَة، لعلنا نستطيع أن نوصل الفكرة التي نسعى لبيانها بسهولة ويسر.
فأما أولى هذه المراحل..
هي المرحلة التي تسبق الوظيفة، ألا وهي الدراسة؛ونقصد بالذات الدراسة الجامعية وما يوازيها؛لأن في هذه المرحلة تكون الفتاة قد بلغت سن النضوج ودخلت في سن الزواج، فإذا تأخّرت قليلاً دارت حولها المخاوف.
وهذه المرحلة لها دور كبير في هذه القضية، إذ هي الخطوة الأولى والأكثر تمهيداً لعمل المرأة.
وتختلف النساء من امرأة إلى أخرى بالنسبة للنظر لمكانة الدراسة وأهميتها.
فأحياناً تكون الدراسة من أكبر المعوقات عن الزواج؛
وذلك أن هذه المرأة وهي في خِضَمّ الأحداث ، وزحمة التفكير، لا تفكر إلا بالشهادة العالية التي تصل بها إلى أعلى المراتب، وتؤهلها لأن تكون عنصراً هاماً في المجتمع على حدِّ تفكيرها؛لذلك فإنها لا توافق على أيِّ رجل يتقدم لطلب الزواج منها؛وذلك لأنها ترى أن الزواج يشغلها عن مواصلة المسيرة ويقف عائقاً دون الغاية التي تريد الوصول إليها.
ولا تدري لعلّ الدراسة تطول بها فلا تنتهى منها إلا وقد تقدم بها العمر، وأصبحت فرصة الزواج بالنسبة لها ضئيلة إلى حدٍّ كبير.
فهي درست واجتهدت حتى تصل إلى المنزلة التي تريد، وتحصل على الشهادة العالية.. ولكنها أهملت الأهم من هذا وهو الاستقرار العائلي الذي تحلم به كل فتاة.. وإن أبدت غير هذا.
فها هي غلّبت جانب السعادة الزائفة على السعادة الحقيقية، ولم تستيقظ من غفلتها إلا وقد فات من عمرها الكثير.. فماذا كانت النتيجة؟..
همٌّ.. حسرة.. وتَنَدُّم على الماضي..ٌ
كتبت إحداهن تقول:( أنا التي جنيت على نفسي)..
"تصدر مني تنهيدة يصحبها سيل جارف من الدموع التي تنطلق من عينيّ اللتين أصبحتا مأوى للأحزان، وملاذاً للهموم.
كنت أقول: هذا لا يعجبني، وهذا لا يناسبني، وهذا ليس معه المؤهلات التي توازي مؤهلاتي، وذاك ليس غنياً، مواصفاته لا تتفق مع مواصفاتي.. وأنا أعلم أنه عبث، وتخبُّط، وشروط تعجيزية لا مبرر لها..
لقد جنيت على نفسي.. ها أنذا أعيش وحيدة لا أنيس ولا قريب، الكل مشغول بنفسه وحياته ، لقد نسيني الجميع، لم يسأل عني أحد بعد أن كنت محور اهتمام الجميع.
وبدأت المخاوف تنتابني منذ ذلك اليوم الذي رفضت به آخر طارق لبابي، لقد أغلقته في وجوههم جميعاً، واليوم ها هم يردّون عليّ بالمثل.
لقد أصبحت كلمة (عانس) تردد على مسمعي وبصفة يوميّة.
طالباتي في المدرسة يقلن: مسكينة، إنها تصب جام غضبها علينا لأنها ( عانس) لم تتزوج، (لو فيها خير ما جلست إلى الآن).
أصبحت كلمة( عانس) بمثابة الخنجر الذي يصيب صميم فؤادي، بل إن وقع هذه الكلمة على نفسي أشد مليون مرة من طعنة خنجر".
ها هي لم تجن بعد مضي عمرها إلا الندم والتحسّر على عمرها الذي ضاع من بين يديها، وهذا هو حال شبيهاتها.
إن بعض النساء وهي في نشوة السعادة المزعومة، وفي شدة انهماكها بالدراسة والسعي وراء تحقيق الأمنية المنشودة، تتجاهل كل شيء يعترض طريقها، ولا تفكر بما يؤول إليه أمرها؛ولكن سرعان ما ينقشع ذلك الظلام الذي خيّم على عينها، وتستبين الحقائق.
ثم إذا استيقظت من نومها العميق، وتجلّت لها الحقائق، وجدت أن تلك الغاية المزعومة التي سعت إلى تحقيقها من خلال الدراسة لا تساوي شيئاً بالنسبة لأن يكون عندها بيت وزوج وأولاد؛وهناك تجد أن الموقف الذي كانت تسعى إلى أن يحقق لها السعادة كان سبباً في شقاوتها..
ومنظر كان بالسراء يضحـكني
يا قرب ما كان بالضراء يبكيني
وأما المرحلة الثانية التي تَمُرُّ على المرأة العاملة؛فهي نوع المجال الذي تعمل به.
وهذا –أيضاً- له دور فعّال وسلبي في تأخير الزواج إلى سن متأخّرة؛ومثال ذلك: أن بعض النساء تعمل في مكان تختلط فيه مع الرجال، مما يؤدي إلى فقدانها كثيراً من أنوثتها،وكسر الحاجز الواجب وجوده في التعامل مع الرجال؛فتجدها تتعامل معهم في غاية اللامبالاة، وكأنها تتعامل مع بنات جنسها بحجة الزمالة!!..
وهذا لا يسلم منه إلا القليل النادر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
بل وأحياناً يكون الأمر صادراً عن طيب نيّة، فتجد المرأة تمزح أو تضحك مع زميلها أو رئيسها في العمل ولا تتحرّج منه، وكأنه أحد محارمها؛وهذا بسبب كثرة الممارسة، و.."كثرة المساس تميت الإحساس".
وكثيراً – ولا نقول قليلاً- ما يؤدي هذا الاختلاط المشين إلى قيام علاقات غير شرعيّة تؤدي بهذه المرأة إلى الزهد في الزواج، أو بانتظار وعد بالزواج من شخص لعّاب له أهداف دنيئة ، وليس له مقصود من وراء ذلك إلا اللعب واللهو وإشباع رغبته من الصيد السهل، الذي جاءته إلى حيث مكانه، وأطاعته إلى حيث يريد الدفع بها.
فإذا نال بغيته منها رمى بها واندفع يبحث عن صيد آخر، وأنكر الوعود المعقودة بالزواج منها..
وهذه النتيجة متوقعة وليس بمستغربة ، لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"كما لا يجتنى من الشوك العنب،كذلك لا ينـزل الفجار منازل الأبرار ، فاسلكوا أي طريق شئتم، فأي طريق سلكتم وردتم على أهله"( ).
وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، والحقيقة التي لا مفرّ منها؛فإن الذي يريد طريق العفة لا يتخذ هذه الأساليب المشينة والعلاقات المحرمة طريقاً له، بل يأتي البيوت من أبوابها.
ولكن الحقيقة أن هؤلاء الشباب لم يفكروا بتلك المرأة زوجة، بل فكروا بها محطة للعبث والعبور، فإذا انتهوا منها نزلوا في محطة أخرى.. وحين يفكرون بالراحة والاستقرار فإن كثيراً منهم يبحث عن امراة لم يخالطها كدر هذا الاختلاط وما يؤدي إليه من النتائج السلبية.
والشاهد مما تقدم: أن العمل الاختلاطي كثيراً ما يصرف أنظار الرجال عن هذه المرأة ، لأن الخاطب يرى أن هذه المرأة التي عملت بين صفوف الرجال قد فقدت شيئاً مهمّاً ممّا خصها الله به؛لذلك تجد كثيراً من الشباب يعرض عن المرأة التي عملت في هذه الأمكنة المختلطة، ولا يفكر بها زوجة؛ولا يحدث ذلك إلا في حالات قليلة نادرة.
بل والأمر المحيّر أن بعض النساء مع تقدمها في العمر، ودخولها المرحلة الحرجة، وضآلة فرصة الزواج بالنسبة لها، إلا أنها إذا تقدم لها رجل يرغب في الزواج منها، ويطلب منها أن تترك العمل، وتتفرغ لبيتها ترعاه وتدير شؤونه، ترفض ذلك وتعتبره كبتاً لحريتها، بل وتضع بقاءها على وظيفتها شرطاً أساسياً مقابل الموافقة على الزواج؛مما يؤدي إلى انصراف الخاطب عنها، والبحث عن سواها.
وهذا أمر خطير جداً..
فمع أن هذه المرأة دخلت في سن حرجة، والزواج بالنسبة لها في هذه الفترة فرصة، لأن الذين يتقدمون لها وهي في هذه السن قلّة ، لأن الكثير يبحثون عن صغيرات السن في وقت ضجت به البيوت بالنساء؛ومع ذلك أخذت تشترط وكأنها ما زالت صغيرة في السن، والكل سيوافق على شرطها مقابل أن يفوزوا بالزواج منها.
فلابد من وضع الأمور في نصابها الصحيح.. وهذه هي الحكمة، لأن الإنسان أحياناً يكون هو صاحب الكلمة، ولكن في أحيان أُخرى تُفرض عليه بعض الامور لتي لا يملك إلا التسليم والقبول بها.
وعلى الإنسان الحكيم أن يقدم الأمور المهمة على ما سواها.. فماذا يساوي عمل المرأة- على ما فيه من الشقاء والنكد وضياع العمر- إذا ما قابلناه بما هو أهم منه، وهو الاستقرار والراحة وتكوين أسرة؟؟.
ولا يفهم من هذا الكلام أننا نقصد أن عمل المرأة مهم، بل إن الواقع خلاف ذلك، إذ أن عمل المرأة في كثير من الأحيان وكثير من الأمكنة ضرره أكبر من نفعه.
ثم إن طبائع الناس تختلف من شخص إلى آخر، ولعلّه يقدّر لهذه المرأة أن لا يتقدم لها إلا من هم على نفس هذه الفكرة- بأن تترك العمل وتتفرغ لبيتها-، وهذا أيضاً يختلف باختلاف المجتمع التي نشأت وعاشت فيه.
فيجب على المرأة أن تراعي كل هذه الأمور، وتراعي المحيط الذي تعيش فيه، وان تقدّر الأمور بقدرها، وتجعل نظرتها بعيدة إلى ما يؤول إليه مصيرها؛ فإذا جاءها الزوج المناسب الذي ترضى دينه وخلقه تقبل به، وتترك هذا الشرط الذي لا يساوي شيئاً، بالنسبة لأن تكون أمّاً، وزوجةً، ومربيةً فاضلة.
ومن المؤثرات الفعلية التي تدخل- أيضاً- في إطار عمل المرأة، أمرٌ لا تُكتشف خطورته وسلبياته إلا بعد الوقوع فيه؛وذلك الأمر هو أن بعض النساء تهتم بالجانب العملي أكثر من اهتمامها بالجانب الاجتماعي الذي تعيش فيه، وتقدم الوظيفة على الزواج، فترفض كل من يتقدم لها بحجة أنها تريد تحقيق مكانة في عملها، وتكون عنصراً بارزاً، فلا تريد أن يشغلها الزواج عن هذه الغاية التي تسعى إليها؛أو أن يحدث أمر آخر وهو: أنها في زحمة انشغالها وانهماكها في عملها لا يكون لديها متسع من الوقت لتفكّر في الزواج، أو بالأصح لا تريد أن تجعل لنفسها وقتاً حتى تفكر في الزواج.. وذلك ظناً منها أن العمل وحده كفيل بأن يحقق لها السعادة؛فإذا تقدم بها العمر، وانكشفت لها الحقيقة، علمت أنها كانت تجري وراء سراب، وأن العمل الذي ضحَّت براحتها ووقتها من أجله لم يحقق لها السعادة الحقيقية والاستقرار العائلي الذي تريد، بل إنها نسيت ما هو أهم من العمل، نسيت أن تتزوج، وان يكون لها زوج تسكن إليه ويأوي إليها ، ويتحمل عنها كثيراً من الأعباء ليحقق لها حياة هانئة.
ولكنها لم تكتشف كل ذلك إلا بعد أن تقدم بها العمر، وأحاطت بها المخاوف، واستقرت في قلبها الهموم، ولم تعد تملك إلا الندم والتأسّف على عمرها الذي ارتحل، وقد سلكت طريقاً انحرف بها عن الجادّة الصحيحة.
فها هي خسرت الأسرة والزوج والأولاد.. ولم يبق معها إلا المكانة التي كافحت من أجل أن تصل إليها، بل وحتى هذه المكانة ستزول عنها ذات يوم، وتعطى لغيرها، فماذا يبقى معها؟!.
وقفت أستاذة جامعية أمام طلبتها وطالباتها تلقي خطبة الوداع بمناسبة استقالتها من التدريس فقالت:-
"ها أنا قد بلغت الستين من عمري، وصلت فيها إلى أعلى المراكز، نجحت وتقدمت في كل سنة من سنوات عمري، حققت عملاً كبيراً في المجتمع، كل دقيقة في يومي كانت تأتي عليّ بالربح، حصلت على شُهرة كبيرة، وعلى مال كثير، أتيحت لي الفرصة أن أزور العالم كله..
ولكن هل أنا سعيدة الآن بعد أن حققت كل هذه الانتصارات؟..
لقد نسيت في غمرة انشغالي في التدريس والتعليم والسفر والشهرة أن افعل ما هو أهم من ذلك كله بالنسبة للمرأة..
نسيت أن أتزوج، وأن أُنجب أطفالاً، وأن أستقر.
إنني لم أتذكر ذلك إلا عندما جئت لأقدم استقالتي، شعرت في هذه اللحظة أنني لم أفعل شيئاً في حياتي ، وأن أجد كل الجهد الذي بذلته طوال هذه السنوات قد ضاع هباءً.
سوف أستقيل، ويمر عام أو اثنان على استقالتي وبعدها ينساني الجميع في غمرة انشغالهم بالحياة..
ولكن لو كنت تزوجت، وكوّنت أسرة كبيرة، لتركت أثراً كبيراً وأحسن في الحياة.
إن وظيفة المرأة هي أن تتزوج وتكوِّن أسرة، وأيُّ مجهود تبذله غير ذلك لا قيمة له في حياتها بالذات.
إني أنصح كل طالبة أن تضع هذه المهام أولاً في اعتبارها...".
فهذا اعتراف من امرأة مرَّت في هذه التجربة الأليمة وخرجت منها وقد خسرت أمراً من أهم مقومات الحياة السعيدة.. خسرت أن يكون لها زوج وأولاد تعيش بينهم، وتنعم بحياة طيبة هانئة، بعيدة عن مشاكل الحياة ولأوائها.
وهذه الواقعة تبيّن حال كثير من النساء اللاتي وصلن إلى نفس النتيجة، وقد جلسن بغير زواج؛تتحسّر إحداهن على فوات عمرها بسبب أنها غلّبت جانب الكماليات على الجانب المهم في حياتها، وقد كانت تظن أن الوظيفة وتحقيق المنزلة المرموقة تغنيها عن الزواج والاستقرار العائلي ولكن..
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي
ويذهـب هذا كلـه ويزول
فإذا انكشفت لها الحقيقة التي كانت تعيش في غفلة عنها، واصطدمت أحلامها في صخور الواقع، علمت أنها كانت تركض وراء سراب، وانها أبحرت في بحر متلاطم الأمواج، قذفت بها أمواجه إلى الساحل دون أن ترجع منه بشيء، فوقفت حائرة تصارع الهموم، وتنتظر أن يطرأ على حياتها ما يغير الواقع الذي تعيش فيه.
منقول من كتاب ’’وقفة قبل ضياع العمر’’لسالم العجمي
الحقيقة أن هذه النقطة غاية في الحساسية ، وتريد من يقف أمامها بتجّرد؛فيعرف أبعاد هذه القضية، والتي كثير من النساء في غفلة عن آثارها السلبية، ولا يصحين من هذه الغفلة إلا على الصدمة المفزعة، وتشتت الأحلام.
وحتى لا يحمل الكلام على غير معناه، ويفهم منه ما لا يراد؛من الواجب أن ننبِّه على أننا نتكلم عن وظيفة المرأة من جانب تأثيرها السلبي في تأخير الزواج فقط، وبيان بعض الأسباب المتعلقة بهذه القضية، والتي تؤدي إلى جلوسها إلى سن متأخرة في أغلب الأحيان.
ألا وإن الناظر في أحوال النساء العاملات بتمعّن ليرى العجب العجاب، ولغلبت عليه الهموم والأحزان لما يرى من المآسي المذهلة التي تحرق قلب كل غيور، وتثقله بالهموم.
وإن من أعظم المآسي أن تجد امرأة بدأ يتقدم بها العمر، ودخلت في السن الحرجة ولم تزل غير متزوجة؛وقد استولى عليها الخوف والقلق من أن يعبر قطار الزواج من حيلتها دون توقف ودون رجعة.. وهنا ستنظر إلى من حولها من النساء.. فتجد أن فلانة خُطبت.. وفلانة قد تزوجت.. وفلانة قد أنجبت.. وهي لم تزل على حالها، تصارع الهموم التي تثقل كاهلها، وتحطم قلبها المثخن بالجراح، وصدرها المليء بالأحزان، وكأن لسان حالها يقول:
رب يوم بكيت فيه فلمـا
صرت في غيره بكيت عليه
وحتى نعرف مدى تأثير العمل على المرأة، كان من الأهمية بمكان أن ننظر للمراحل التي تمرّ بها المرأة ، والتي تتسبب في جلوسها إلى سن متأخرة بغير زواج..
فأحياناً يكون المؤثّر الفعلي لجلوسها:
المرحلة التي تسبق العمل وهي الدراسة؛ وأحياناً يكون المؤثر هو نوع المجال الذي تعمل به؛وأحياناً يكون المؤثر الفعلي هو اهتمامها بالجانب العملي دون النظر إلى الجانب الاجتماعي الذي تعيش فيه.
وحتى يكون الموضوع أكثر تفصيلاً وتوضيحاً سنأخذ كل نقطة من هذه النقاط على حِدَة، لعلنا نستطيع أن نوصل الفكرة التي نسعى لبيانها بسهولة ويسر.
فأما أولى هذه المراحل..
هي المرحلة التي تسبق الوظيفة، ألا وهي الدراسة؛ونقصد بالذات الدراسة الجامعية وما يوازيها؛لأن في هذه المرحلة تكون الفتاة قد بلغت سن النضوج ودخلت في سن الزواج، فإذا تأخّرت قليلاً دارت حولها المخاوف.
وهذه المرحلة لها دور كبير في هذه القضية، إذ هي الخطوة الأولى والأكثر تمهيداً لعمل المرأة.
وتختلف النساء من امرأة إلى أخرى بالنسبة للنظر لمكانة الدراسة وأهميتها.
فأحياناً تكون الدراسة من أكبر المعوقات عن الزواج؛
وذلك أن هذه المرأة وهي في خِضَمّ الأحداث ، وزحمة التفكير، لا تفكر إلا بالشهادة العالية التي تصل بها إلى أعلى المراتب، وتؤهلها لأن تكون عنصراً هاماً في المجتمع على حدِّ تفكيرها؛لذلك فإنها لا توافق على أيِّ رجل يتقدم لطلب الزواج منها؛وذلك لأنها ترى أن الزواج يشغلها عن مواصلة المسيرة ويقف عائقاً دون الغاية التي تريد الوصول إليها.
ولا تدري لعلّ الدراسة تطول بها فلا تنتهى منها إلا وقد تقدم بها العمر، وأصبحت فرصة الزواج بالنسبة لها ضئيلة إلى حدٍّ كبير.
فهي درست واجتهدت حتى تصل إلى المنزلة التي تريد، وتحصل على الشهادة العالية.. ولكنها أهملت الأهم من هذا وهو الاستقرار العائلي الذي تحلم به كل فتاة.. وإن أبدت غير هذا.
فها هي غلّبت جانب السعادة الزائفة على السعادة الحقيقية، ولم تستيقظ من غفلتها إلا وقد فات من عمرها الكثير.. فماذا كانت النتيجة؟..
همٌّ.. حسرة.. وتَنَدُّم على الماضي..ٌ
كتبت إحداهن تقول:( أنا التي جنيت على نفسي)..
"تصدر مني تنهيدة يصحبها سيل جارف من الدموع التي تنطلق من عينيّ اللتين أصبحتا مأوى للأحزان، وملاذاً للهموم.
كنت أقول: هذا لا يعجبني، وهذا لا يناسبني، وهذا ليس معه المؤهلات التي توازي مؤهلاتي، وذاك ليس غنياً، مواصفاته لا تتفق مع مواصفاتي.. وأنا أعلم أنه عبث، وتخبُّط، وشروط تعجيزية لا مبرر لها..
لقد جنيت على نفسي.. ها أنذا أعيش وحيدة لا أنيس ولا قريب، الكل مشغول بنفسه وحياته ، لقد نسيني الجميع، لم يسأل عني أحد بعد أن كنت محور اهتمام الجميع.
وبدأت المخاوف تنتابني منذ ذلك اليوم الذي رفضت به آخر طارق لبابي، لقد أغلقته في وجوههم جميعاً، واليوم ها هم يردّون عليّ بالمثل.
لقد أصبحت كلمة (عانس) تردد على مسمعي وبصفة يوميّة.
طالباتي في المدرسة يقلن: مسكينة، إنها تصب جام غضبها علينا لأنها ( عانس) لم تتزوج، (لو فيها خير ما جلست إلى الآن).
أصبحت كلمة( عانس) بمثابة الخنجر الذي يصيب صميم فؤادي، بل إن وقع هذه الكلمة على نفسي أشد مليون مرة من طعنة خنجر".
ها هي لم تجن بعد مضي عمرها إلا الندم والتحسّر على عمرها الذي ضاع من بين يديها، وهذا هو حال شبيهاتها.
إن بعض النساء وهي في نشوة السعادة المزعومة، وفي شدة انهماكها بالدراسة والسعي وراء تحقيق الأمنية المنشودة، تتجاهل كل شيء يعترض طريقها، ولا تفكر بما يؤول إليه أمرها؛ولكن سرعان ما ينقشع ذلك الظلام الذي خيّم على عينها، وتستبين الحقائق.
ثم إذا استيقظت من نومها العميق، وتجلّت لها الحقائق، وجدت أن تلك الغاية المزعومة التي سعت إلى تحقيقها من خلال الدراسة لا تساوي شيئاً بالنسبة لأن يكون عندها بيت وزوج وأولاد؛وهناك تجد أن الموقف الذي كانت تسعى إلى أن يحقق لها السعادة كان سبباً في شقاوتها..
ومنظر كان بالسراء يضحـكني
يا قرب ما كان بالضراء يبكيني
وأما المرحلة الثانية التي تَمُرُّ على المرأة العاملة؛فهي نوع المجال الذي تعمل به.
وهذا –أيضاً- له دور فعّال وسلبي في تأخير الزواج إلى سن متأخّرة؛ومثال ذلك: أن بعض النساء تعمل في مكان تختلط فيه مع الرجال، مما يؤدي إلى فقدانها كثيراً من أنوثتها،وكسر الحاجز الواجب وجوده في التعامل مع الرجال؛فتجدها تتعامل معهم في غاية اللامبالاة، وكأنها تتعامل مع بنات جنسها بحجة الزمالة!!..
وهذا لا يسلم منه إلا القليل النادر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
بل وأحياناً يكون الأمر صادراً عن طيب نيّة، فتجد المرأة تمزح أو تضحك مع زميلها أو رئيسها في العمل ولا تتحرّج منه، وكأنه أحد محارمها؛وهذا بسبب كثرة الممارسة، و.."كثرة المساس تميت الإحساس".
وكثيراً – ولا نقول قليلاً- ما يؤدي هذا الاختلاط المشين إلى قيام علاقات غير شرعيّة تؤدي بهذه المرأة إلى الزهد في الزواج، أو بانتظار وعد بالزواج من شخص لعّاب له أهداف دنيئة ، وليس له مقصود من وراء ذلك إلا اللعب واللهو وإشباع رغبته من الصيد السهل، الذي جاءته إلى حيث مكانه، وأطاعته إلى حيث يريد الدفع بها.
فإذا نال بغيته منها رمى بها واندفع يبحث عن صيد آخر، وأنكر الوعود المعقودة بالزواج منها..
وهذه النتيجة متوقعة وليس بمستغربة ، لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"كما لا يجتنى من الشوك العنب،كذلك لا ينـزل الفجار منازل الأبرار ، فاسلكوا أي طريق شئتم، فأي طريق سلكتم وردتم على أهله"( ).
وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، والحقيقة التي لا مفرّ منها؛فإن الذي يريد طريق العفة لا يتخذ هذه الأساليب المشينة والعلاقات المحرمة طريقاً له، بل يأتي البيوت من أبوابها.
ولكن الحقيقة أن هؤلاء الشباب لم يفكروا بتلك المرأة زوجة، بل فكروا بها محطة للعبث والعبور، فإذا انتهوا منها نزلوا في محطة أخرى.. وحين يفكرون بالراحة والاستقرار فإن كثيراً منهم يبحث عن امراة لم يخالطها كدر هذا الاختلاط وما يؤدي إليه من النتائج السلبية.
والشاهد مما تقدم: أن العمل الاختلاطي كثيراً ما يصرف أنظار الرجال عن هذه المرأة ، لأن الخاطب يرى أن هذه المرأة التي عملت بين صفوف الرجال قد فقدت شيئاً مهمّاً ممّا خصها الله به؛لذلك تجد كثيراً من الشباب يعرض عن المرأة التي عملت في هذه الأمكنة المختلطة، ولا يفكر بها زوجة؛ولا يحدث ذلك إلا في حالات قليلة نادرة.
بل والأمر المحيّر أن بعض النساء مع تقدمها في العمر، ودخولها المرحلة الحرجة، وضآلة فرصة الزواج بالنسبة لها، إلا أنها إذا تقدم لها رجل يرغب في الزواج منها، ويطلب منها أن تترك العمل، وتتفرغ لبيتها ترعاه وتدير شؤونه، ترفض ذلك وتعتبره كبتاً لحريتها، بل وتضع بقاءها على وظيفتها شرطاً أساسياً مقابل الموافقة على الزواج؛مما يؤدي إلى انصراف الخاطب عنها، والبحث عن سواها.
وهذا أمر خطير جداً..
فمع أن هذه المرأة دخلت في سن حرجة، والزواج بالنسبة لها في هذه الفترة فرصة، لأن الذين يتقدمون لها وهي في هذه السن قلّة ، لأن الكثير يبحثون عن صغيرات السن في وقت ضجت به البيوت بالنساء؛ومع ذلك أخذت تشترط وكأنها ما زالت صغيرة في السن، والكل سيوافق على شرطها مقابل أن يفوزوا بالزواج منها.
فلابد من وضع الأمور في نصابها الصحيح.. وهذه هي الحكمة، لأن الإنسان أحياناً يكون هو صاحب الكلمة، ولكن في أحيان أُخرى تُفرض عليه بعض الامور لتي لا يملك إلا التسليم والقبول بها.
وعلى الإنسان الحكيم أن يقدم الأمور المهمة على ما سواها.. فماذا يساوي عمل المرأة- على ما فيه من الشقاء والنكد وضياع العمر- إذا ما قابلناه بما هو أهم منه، وهو الاستقرار والراحة وتكوين أسرة؟؟.
ولا يفهم من هذا الكلام أننا نقصد أن عمل المرأة مهم، بل إن الواقع خلاف ذلك، إذ أن عمل المرأة في كثير من الأحيان وكثير من الأمكنة ضرره أكبر من نفعه.
ثم إن طبائع الناس تختلف من شخص إلى آخر، ولعلّه يقدّر لهذه المرأة أن لا يتقدم لها إلا من هم على نفس هذه الفكرة- بأن تترك العمل وتتفرغ لبيتها-، وهذا أيضاً يختلف باختلاف المجتمع التي نشأت وعاشت فيه.
فيجب على المرأة أن تراعي كل هذه الأمور، وتراعي المحيط الذي تعيش فيه، وان تقدّر الأمور بقدرها، وتجعل نظرتها بعيدة إلى ما يؤول إليه مصيرها؛ فإذا جاءها الزوج المناسب الذي ترضى دينه وخلقه تقبل به، وتترك هذا الشرط الذي لا يساوي شيئاً، بالنسبة لأن تكون أمّاً، وزوجةً، ومربيةً فاضلة.
ومن المؤثرات الفعلية التي تدخل- أيضاً- في إطار عمل المرأة، أمرٌ لا تُكتشف خطورته وسلبياته إلا بعد الوقوع فيه؛وذلك الأمر هو أن بعض النساء تهتم بالجانب العملي أكثر من اهتمامها بالجانب الاجتماعي الذي تعيش فيه، وتقدم الوظيفة على الزواج، فترفض كل من يتقدم لها بحجة أنها تريد تحقيق مكانة في عملها، وتكون عنصراً بارزاً، فلا تريد أن يشغلها الزواج عن هذه الغاية التي تسعى إليها؛أو أن يحدث أمر آخر وهو: أنها في زحمة انشغالها وانهماكها في عملها لا يكون لديها متسع من الوقت لتفكّر في الزواج، أو بالأصح لا تريد أن تجعل لنفسها وقتاً حتى تفكر في الزواج.. وذلك ظناً منها أن العمل وحده كفيل بأن يحقق لها السعادة؛فإذا تقدم بها العمر، وانكشفت لها الحقيقة، علمت أنها كانت تجري وراء سراب، وأن العمل الذي ضحَّت براحتها ووقتها من أجله لم يحقق لها السعادة الحقيقية والاستقرار العائلي الذي تريد، بل إنها نسيت ما هو أهم من العمل، نسيت أن تتزوج، وان يكون لها زوج تسكن إليه ويأوي إليها ، ويتحمل عنها كثيراً من الأعباء ليحقق لها حياة هانئة.
ولكنها لم تكتشف كل ذلك إلا بعد أن تقدم بها العمر، وأحاطت بها المخاوف، واستقرت في قلبها الهموم، ولم تعد تملك إلا الندم والتأسّف على عمرها الذي ارتحل، وقد سلكت طريقاً انحرف بها عن الجادّة الصحيحة.
فها هي خسرت الأسرة والزوج والأولاد.. ولم يبق معها إلا المكانة التي كافحت من أجل أن تصل إليها، بل وحتى هذه المكانة ستزول عنها ذات يوم، وتعطى لغيرها، فماذا يبقى معها؟!.
وقفت أستاذة جامعية أمام طلبتها وطالباتها تلقي خطبة الوداع بمناسبة استقالتها من التدريس فقالت:-
"ها أنا قد بلغت الستين من عمري، وصلت فيها إلى أعلى المراكز، نجحت وتقدمت في كل سنة من سنوات عمري، حققت عملاً كبيراً في المجتمع، كل دقيقة في يومي كانت تأتي عليّ بالربح، حصلت على شُهرة كبيرة، وعلى مال كثير، أتيحت لي الفرصة أن أزور العالم كله..
ولكن هل أنا سعيدة الآن بعد أن حققت كل هذه الانتصارات؟..
لقد نسيت في غمرة انشغالي في التدريس والتعليم والسفر والشهرة أن افعل ما هو أهم من ذلك كله بالنسبة للمرأة..
نسيت أن أتزوج، وأن أُنجب أطفالاً، وأن أستقر.
إنني لم أتذكر ذلك إلا عندما جئت لأقدم استقالتي، شعرت في هذه اللحظة أنني لم أفعل شيئاً في حياتي ، وأن أجد كل الجهد الذي بذلته طوال هذه السنوات قد ضاع هباءً.
سوف أستقيل، ويمر عام أو اثنان على استقالتي وبعدها ينساني الجميع في غمرة انشغالهم بالحياة..
ولكن لو كنت تزوجت، وكوّنت أسرة كبيرة، لتركت أثراً كبيراً وأحسن في الحياة.
إن وظيفة المرأة هي أن تتزوج وتكوِّن أسرة، وأيُّ مجهود تبذله غير ذلك لا قيمة له في حياتها بالذات.
إني أنصح كل طالبة أن تضع هذه المهام أولاً في اعتبارها...".
فهذا اعتراف من امرأة مرَّت في هذه التجربة الأليمة وخرجت منها وقد خسرت أمراً من أهم مقومات الحياة السعيدة.. خسرت أن يكون لها زوج وأولاد تعيش بينهم، وتنعم بحياة طيبة هانئة، بعيدة عن مشاكل الحياة ولأوائها.
وهذه الواقعة تبيّن حال كثير من النساء اللاتي وصلن إلى نفس النتيجة، وقد جلسن بغير زواج؛تتحسّر إحداهن على فوات عمرها بسبب أنها غلّبت جانب الكماليات على الجانب المهم في حياتها، وقد كانت تظن أن الوظيفة وتحقيق المنزلة المرموقة تغنيها عن الزواج والاستقرار العائلي ولكن..
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي
ويذهـب هذا كلـه ويزول
فإذا انكشفت لها الحقيقة التي كانت تعيش في غفلة عنها، واصطدمت أحلامها في صخور الواقع، علمت أنها كانت تركض وراء سراب، وانها أبحرت في بحر متلاطم الأمواج، قذفت بها أمواجه إلى الساحل دون أن ترجع منه بشيء، فوقفت حائرة تصارع الهموم، وتنتظر أن يطرأ على حياتها ما يغير الواقع الذي تعيش فيه.
منقول من كتاب ’’وقفة قبل ضياع العمر’’لسالم العجمي