المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوطن في الإسلام، بقلم إبراهيم الوراق. سلسلة تتبع...



ابراهيم الوراق
09-01-02, 06:53 AM
تمهيد:
إن مفهوم المواطنة كما سبق لم يستخدم في اللغات الشرقية –العربية، التركية، الفارسية- فضلا عن أن يستعمل في النصوص الدينية أو الأدبية أو التاريخية، لكنَّ عدم وجود هذا المصطلح في الفكر العربي والإسلامي لا يعني غياب ما تحمله مفهوم المواطنة عن أدبيات المجتمع العربي الجاهلي، كما لا يعني عدم توفر التجربة الإسلامية الأولى على معان إنسانية تستطيع أن تكون في حقيقتها بذور المواطنة التي تتحكم في علاقة المواطن بالدولة، أو في علاقته بالمجتمع.
ونكاد نجد في تشكل العلاقات الاجتماعية والفردية في التاريخ الجاهلي والإسلامي ما يمكن أن يكون نواة أولية أو ملامح جنينية تشكل جذر التجربة للمفهوم، وذلك ما نلمسه في حلف الفضول الذي أسس اتجاها آخر لمبادئ وطن يحمي الانتماء العقدي والديني، ويحترم التعدد الثقافي والفكري، ولذا كانت فكرته جديدة في المجتمع الجاهلي الملتزم بذاتيته الخاصة وفق نظام قبلي عشائري تقليدي، يقول ابن هشام: "تداعت قبائل من قريش إلى حلف، فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان... لشرفه وسنه، فكان حلفهم عنده، بنو هشام، وبنو المطلب، وأسد بن العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف: "حلف الفضول". وقد حضره النبي  وقال فيه: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" .
وقد كان هذا الحلف معطى إيجابيا أدى بكثير من الشعراء إلى أن يمتدحوا حلف الفضول لما يتضمنه عقده من قيم أخلاقية جديدة في المجتمعات العربية، ومعان سامية لم ترق إليها الأمبراطوريات الموجودة في تلك الفترة التاريخية، يقول عمرو بن عوف الجرهمي بقوله:

إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ‍
أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا ‍
ألا يقر ببطن مكة ظالم
فالجار والمعتر فيهم سالم

ومن ذلك أيضا قول الزبير بن العوام وهو أول من استجاب لهذا الحلف:

حلفت لنعقدن حلفا عليهم ‍
نسميه الفضول إذا عقدنا ‍
ويعلم من حوالي البيت أننا ‍
وإن كنا جميعا أهل دار
يعز به الغريب لدى الجوار
أباة الضيم نهجر كل عار .

وتعتبر وثيقة حلف الفضول هذه أول وثيقة تاريخية تتضمن مبادئ المواطنة كما وردت فيما بعد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وجاءت في دساتير وقوانين الدول الحديثة، مما يعني أن وجود هذه الحقيقة في تاريخ الإسلام مما لا يجوز لأحد نكرانه، ولا الوقوف في وجهه، ولا غرابة إذا كان هذه المبادئ السامية سببا جعل عددا كبيرا من المفكرين العرب يرفعون وثيقة يطالبون بها هيئة الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو بضرورة إدراج وثيقة حلف الفضول في التراث العالمي كوثيقة تنص على وجود أدبيات حقوق الإنسان في الأمة العربية.
ومن خلال عملية البحث عن أسس المواطنة في ديننا وتاريخنا يمكن لنا أن نضيف إليها ما يدل على ذلك من أعمال يمكن أن يستدل بها على وجود مبادئ المواطنة في الإسلام، وهي على الشكل التالي:
أ: بيعتا العقبة الأولى والثانية، فالأولى تعتبر بزرة لتحديد قواعد الأخلاق الاجتماعية العامة التي تُعتبر الأصل لمجتمع فاضل ، وأساسا لكيان مستقل له ميزاته وخصوصياته الدينية والثقافية، والبيعة الثانية تتضمن مبادئ تتعلق بشروط الحماية والنصرة والحرب والسلم، مما يدل بصريح العبارة على أن النبي  كان يمارس هذه المهام الدستورية باعتباره زعيما يسعى من خلال عقوده إلى إنشاء دولة لها خصوصياتها الدينية والثقافية والاجتماعية.
ب: صحيفة الموادعة التي عاهد بها النبي اليهود في المدينة، وسيأتي الحديث عن مستخرجاتها مفصلا.
ج: صلح الحديبية الذي يراه كثير من المستشرقين أقرب من غيره إلى مفهوم المواطنة في واقعنا الحديث والمعاصر.
والواقع أن ماذكرناه من بوادر المواطنة في الفترة الأولى للإسلام، إذا أضفناه إلى عقد حلف الفضول على اعتباره وثيقة سياسية تثبت بمضمونها جملة من الحقوق والواجبات، فإننا سنعثر على ملامح تجربة المواطنة في الأمة العربية سواء في الجاهلية أو في الإسلام، لاسيما إذا لاحظنا أن التجربة في الإسلام قد تناسلت في أدوارها التاريخية من تجربة ضيقة ترتبط بالقبيلة والعشيرة -التجربة الجاهلية- إلى تجربة أخلاقية –التجربة الإسلامية- تسعى إلى إنشاء إنسان شمولي متمدن يرغب في تحقيق مجتمع العدالة والمساواة والحرية، وذلك في ظل مبادئ العقيدة التي رعى النبي  تناغمها وتوازنها بين أسوار الدولة الإسلامية بكل تفاصيل الحياة العامة التي حاول من جاء بعده من الخلفاء أن يحققوا مناطات إكمالها بجهودهم المبنية على تجارب اجتهادية تفترض في أناها الأعلى الاقتداء بالنموذج الأمثل الذي نشأت ملامحه الأولى بين يدي النبي ، ثم تطورت أطواره في فتراتهم التاريخية بسبب ما استحدث من الوقائع والنوازل التي كانت في أغلب أحوالها سببا لخلق توافقات تبدع في مجال التعامل الحياتي إحساسا يشجع على الإيمان بقيمة الالتزام بإدارة الدولة وتسيير شؤونها وفق آليات تنظيمية وقانونية تحقق إنسانية الإنسان، وأخلاقية الدولة.
وإذا فكرنا مليا فإنه يمكن تقسيم مراحل المواطنة لدى الخلفاء كما يلي:
الأولى: عهد أبي بكر (ض) الذي اعتمد مبدأ المساواة في توزيع الغنائم من غير اعتبار لقيمة ذاتية أو امتياز آخر، سواء كان المغنَم له قدم في الإسلام، أو قرابة من النبي ، أو بلاء في الحرب، أو غير ذلك من القيم التي تحسب قيمة معتبرة في أيام الإسلام الأولى، وهذا ما يعني أن أبا بكر فرض مبدأ المواطنة في استحقاق الغنائم.
الثانية: عهد عمر الذي كان الحلقة الأكثر اتساعا فيما شهدته الدولة الإسلامية من نماء وتطور في التنظيم الإداري والمالي، ولا يعني هذا أن عمر (ض) هو من استحدث هياكل الدولة بأجهزتها وتنظيماتها كما يردد كثير من الوعاظ والقصاص، بل سار عمر (ض) على نهج سلفه في السياسة الشرعية ونظام الحكم، وإن كان (ض) قد أضاف زيادة على ما كان في عهد أبي بكر (ض) بعض الأعمال التنظيمية الجديدة حتى يقدر على مواجهة الظروف التي استحدثت في الوجود بعض انطلاقة توسع رقعة الوطن الإسلامي شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وذلك كتدوين الدواوين، وإنشاء بيت مال المسلمين، وإبقاء الأراضي المفتوحة بين أيدي ملاكها بشرط أداء الجزية، وتمصير الأمصار وإنشائها، ولكنه بالإضافة إلى انفتاحه وعبقريته الفذة في تسيير الدولة فإنه تشدد في أمر المواطنة على ضرورة وجود مبدأ القدم في الإسلام، والانتماء العرقي إلى العرب.
الثالثة: عهد عثمان (ض) الذي لم يخرج عما اشترطه على نفسه في البيعة من ملازمة سيرة الشيخين في تدبيره للشأن العام والمحلي، إلا أن الملاحظ في فترته أنه استحدث في المواطنة ضرورة الانتماء القرشي، وهذا ما منح الفرصة للقرشيين لأن يكونوا وقود نار فتنة اغتالته وأثرت في مسار غيره .
الرابعة: عهد علي الذي كان منعطفا خطيرا أظهر ملامح جديدة لمشروع إصلاحي قد اغتالته الحروب التي لم تترك مناخا معتدلا لكي يبرز إلى الوجود على غرار مشاريع إخوانه من الخلفاء.
وفي سياق هذه القضايا المطروحة يمكن لنا أن نستنتج بعض الملاحظات في تجربة المواطنة في الإسلام:
أولا: أن الخلفاء ركزوا على العنصر العربي والقرشي، وهذا يعني التمييز فيما بينهم وبين الموالي، وبالتالي فإن هذه الطبقية التي توحي بها بعض مراحل هذه التجربة كانت زادا غذي الشعور بالغبن الذي صرح به بعض الموالي في كثير من المواقف، يقول عبد العزيز الدوري: "وعلى الرغم من إسلامهم وإسهامهم في دفع الديات، والمشاركة في القتال، وفي الأمور العامة، فقد أغلقت دونهم في القرن الأول للإسلام على الأقل الوظائف، التي تعني الولاية، كالإمارة والقيادة، والقضاء... وقد ندر منهم من تولى المناصب إدارية وعسكرية ..."
ثانيا: إن الدولة الإسلامية تتحكم في علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى ضوابط عقدية تقسِّم الديار إلى دار الإسلام، ودار الحرب، وقد نتج عن هذا أن حدد الفقهاء باجتهاداتهم مواصفات تخص كل واحدة منهما، فعينوا لدار الإسلام وصفا ضابطا جامعا يجعلها في أصالته تتحاكم إلى الدين الإسلامي، وتحتضن المسلمين ومن والاهم من الذميين والمستأمنين، وهذا على العكس من دار الحرب التي نجدها تترافع في قضاياها الحياتية إلى غير شريعة الإسلام، وتضم غير المسلمين ممن لهم نظام خاص، وعقد معين.
ثالثا: إن العقلية الفقهية قد أنتجت داخل نطاق الدولة الإسلامية ركاما من القوانين والتشريعات التي يمكن توظيف معاييرها ومضامينها وشرائطها في تحقيق المحافظة على الضرورات الخمسة التي جاءت منسجمة مع مقاصد الشريعة، ومتناغمة مع المواطنة الحقيقية، وهذا ما يغذي الإحساس والشعور بالمواطنة في الفقه الإسلامي.
ومما يمكن التأكيد عليه في هذه الخلاصة أن البحث في التاريخ العربي والإسلامي إذا جرى على سنن الهدى، وطرق الرشاد، فإن النتيجة التي سيعثر عليها الباحث لا محالة تتضمن مضامين التجربة العربية التي تمثلت في تجارب اجتهادية سعت بقدر كاف من المسئولية إلى تحقيق العدل في حياة الناس، وتوفير الفرص المتكافئة.

ابراهيم الوراق
09-01-02, 06:55 AM
ذكر أهل التاريخ لهذا الحلف سببا ، وذكروا أن رجلا من زبيد من أهل اليمن باع سلعة من العاص بن وائل السهمي، فظلمه في الثمن، فأوفى على جبل أبي قبيس فقال رافعا عقيرته، وقريش في أنديتها:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته*** ببطن مكة نائي الدار والنفر***ومحرم أشعث لم يقض عمرته***يا للرجال وبين الحجر والحجر*** إن الحرام لمن تمت مكارمه***ولا حرام لثوب الفاجر الغدر*** فتداعت لذلك قريش واجتمعت إليه بنو هشام وزهرة وبنو أسد بن عبد العزى، فدخلوا دار عبد الله بن جدعان فتعاقدوا فيما بينهم: ليكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه، فلا يجدون بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد إليه مظلمته. سيرة ابن هشام، ج1ص125، وزاد الجاحظ: وفي التآسي في المعاش، وفي التساهم بالمال. رسائل الجاحظ، جمع السندوبي، ص72. الأغاني ج 16، ص 63 وما بعدها. ودراسات في النحو، صلاح الدين الزعبلاوي، ج1 ص183.
السيرة النبوية ابن هشام، ج1، ص102، ط المكتبة العصرية
مروج الذهب، المسعودي، ج1ص 128.
في النظام السياسي للدولة الإسلامية، محمد سليم العوا، ص45-47، الإسلام والدستور، توفيق بن عبد العزيز السديري، ص119 ط وكالة المطبوعات والبحث العلمي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية والأوقاف والإرشاد والدعوة.
المواطنة في التاريخ العربي الإسلامي، سلسلة مبادرات فكرية، 10، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1997، ص20 وما بعدها بتصرف .
المرجع السابق، ص36، ومقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، عبد العزيز الدوري، ط2، 1978،ص،41،42، دار الطليعة بتصرف.

asamlalo
09-01-02, 08:26 AM
شكرا لأديبنا الكبيرعلى الموضوع القيم .وإسمحلي أن أرحب بك بإسمي و بإسم كل أعضاء شبكة و منتديات إداوسملال و نتمنى لك مقام سعيد بيننا

tazonkt
09-01-02, 02:10 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية
مرحبا بك بين اخوانك واخواتك اتمنى لك قضاء وقت ممتع معنا
مع تحياتي الحارة
:sgsgsggrs:

tazmouti
09-01-03, 12:20 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك على هذا الموضوع الجميل. لك مني أجمل تحية .
و أهلا وسهلا بك في هذا المنتدى السعيد . كما أرجو أن تستفيد و تفيد من كل المواضيع المقترحة من قبل الأعضاء الكرام ..
فمرحبا بك . برك مرحبا سيكككككككككك

http://a0.img.v4.skyrock.net/a07/habiblog9/pics/2100009493_1.jpg

idaosamlal
09-01-03, 09:38 AM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

مرحبا بالأخ الكبير و العزيز ابراهيم الوراق (http://idaosamlal.com/member.php?u=67) :smilee73[1][1]: والله لقد شرفت و اغنيت الشبكة بانضمامك لنا